سيد محمد طنطاوي

238

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا اللَّه ربي وربكم ، لأنه أي الحال والشأن * ( مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه ) * شيئا في عبادته - سبحانه - * ( فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْه الْجَنَّةَ ) * أي : منعه من دخولها ، بسبب شركه وكفره ، وجعل * ( مَأْواه النَّارُ ) * أي : جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة * ( وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) * ينصرونهم بأن ينقذوهم مما هم فيه من بلاء وشقاء مقيم . فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإشراك باللَّه ، وبيان لما سيؤول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء . وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهي حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإيجابية وهي استقرارهم في النار ، للإشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا باللَّه ، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التي تدل على جهلهم وسفاهتهم . والمراد بالظالمين : المشركون الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح بن مريم فتكون ال للعهد . ويجوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس . وقال - سبحانه - * ( وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) * بصيغة الجمع لكلمة « أنصار » ، وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق ، للإيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم . أي : مالهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب اللَّه بأي طريقة من الطرق . وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذي حكاه اللَّه عنه - كما سبق أن ذكرنا - ويحتمل أن تكون من كلام اللَّه - تعالى - وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة اللَّه وحده ولتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإشراك . وقوله - تعالى - * ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّه ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) * بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون في العقائد والنحل ، ويتجمعون على الكفر والضلال ، فهم شيع شتى ، وفرق متنابذة ، كل شيعة منهم تكفر الأخرى وتعارضها في معتقداتها . قال الفخر الرازي ما ملخصه : في تفسير قول النصارى * ( إِنَّ اللَّه ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) * طريقان : الأول : أنهم أرادوا بذلك أن اللَّه ومريم وعيسى آلهة ثلاثة . والذي يؤكد ذلك قوله - تعالى - للمسيح أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه فقوله : * ( ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) * أي : أحد ثلاثة آلهة . أو واحد من ثلاثة آلهة . والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ، ثلاثة